ابن الجوزي

317

كتاب ذم الهوى

إليها لا تقدر لي على حيلة ، فلما انصرفت لقيت خالصة ، فشكت إليها ، فقالت : ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين . فصحّ عزمهما على امتحاننا بمال ، على أن ندع التعرّض لهما ، فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان ، وإن لم نقبله فنحن عاشقان . فلما كان الغد مرّت خالصة فعرض لها صاحبي ، فقال الخدم : اتبعنا ، فاتّبعهم . ثم لم نلبث أن مرّت عتبة ، فقال لي الخدم : اتبعنا فاتّبعتهم ، فمضت بي إلى منزل خليط لها بزّاز ، فلما جلست دعت بي ، فقالت لي : يا هذا ، إنك شاب وأرى بك أدبا ، وأنا حرمة خليفة ، وقد تأبّيتك ، فإن أنت كففت ، وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ثم لم آمن عليك . قلت : فافعلي بأبي أنت وأمي ، وإنك إن سفكت دمي أرحتيني ، فأسألك باللّه إلا فعلت ذلك إذ لم يكن لي فيك نصيب ، فأما الحبس والحياة ولا أراك ، فأنت في حرج من ذلك . فقالت : لا تفعل يا هذا ، وأبق على نفسك ، وخذ هذه الخمس مئة دينار ، واخرج عن هذا البلد ، فلما سمعت ذكر المال ولّيت هاربا ، فقالت : ردّوه ، فلم تزل ترادّني ، فقلت : جعلت فداك ، ما أصنع بعرض من الدنيا ، وأنا لا أراك ، وإنك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت . وهي تأبى إلا ذكر المال ، حتى جعلت لي ألف دينار ، فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة ، وقلت : لو أعطيتني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة ، وأنا لا أراك ، بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك . وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها ، وإذا صاحبي مورّم الأذنين ، وقد امتحن بمثل محنتي ، فلما مدّ يده إلى المال صفعوه ، وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنّه الحبس ، فاستشارني في المقام ، فقلت : اخرج ، وإياك أن تقدر عليك .